الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

93

تفسير روح البيان

الذين يحومون حول العرش كالقطرة في البحر ثم ملائكة اللوح الذين هم أشياع إسرافيل عليه السلام والملائكة الذين هم جنود جبريل عليه السلام لا يحصى أجناسهم ولا مدة أعمارهم ولا كيفيات عبادتهم الا باريهم العليم الخبير على ما قال تعالى وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وروى أنه صلى اللّه عليه وسلم حين عرج به إلى السماء رأى ملائكة في موضع بمنزلة شرف يمشى بعضهم تجاه بعض فسأل رسول اللّه جبريل عليهما السلام إلى اين يذهبون فقال جبريل عليه السلام لا أدرى الا انى أراهم منذ خلقت ولا أرى واحدا منهم قد رأيته قبل ذلك ثم سألا واحدا منهم منذكم خلقت فقال لا أدرى غير أن اللّه تعالى يخلق في كل أربعة آلاف سنة كوكبا وقد خلق منذ ما خلقني أربعمائة الف كوكب فسبحانه من آله ما أعظم قدره وما أوسع ملكوته وأراد بهم الملائكة الذين كانوا في الأرض وذلك ان اللّه خلق السماء والأرض وخلق الملائكة والجن فاسكن الملائكة السماء واسكن الجن الأرض والجن هم بنوا الجان والجان أبو الجن كآدم أبو البشر وخلق اللّه الجان من لهب من نار لا دخان لها بين السماء والأرض والصواعق تنزل منها ثم لما سكنوا فيها كثر نسلهم وذلك قبل آدم بستين الف سنة فعمروا دهرا طويلا في الأرض مقدار سبعة آلاف سنة ثم ظهر فيهم الجسد والبغي فأفسدوا وقتلوا فبعث اللّه إليهم ملائكة سماء الدنيا وامر عليهم إبليس وكان اسمه عزازيل وكان أكثرهم علما فهبطوا إلى الأرض حتى هزموا الجن وأخرجوهم من الأرض إلى جزائر البحور وشعوب الجبال وسكنوا الأرض وصار امر العبادة عليهم أخف لان كل صنف من الملائكة يكون ارفع في السماوات يكون خوفهم أشد وملائكة السماء الدنيا يكون أمرهم أيسر من الذين فوقهم واعطى اللّه إبليس ملك الأرض وملك السماء الدنيا وخزانة الجنة وكان له جناحان من زمرد أخضر وكان يعبد اللّه تارة في الأرض وتارة في السماء وتارة في الجنة فدخله العجب فقال في نفسه ما أعطاني اللّه هذا الملك الا لانى أكرم الملائكة عليه وأيضا كل من اطمأن إلى الدنيا امر بالتحول عنها فقال اللّه تعالى له ولجنوده إِنِّي جاعِلٌ اى مصير فِي الْأَرْضِ دون السماء لان التباغي والتظالم كان في الأرض خَلِيفَةً وهو آدم عليه السلام لأنه خلف الجن وجاء بعدهم ولأنه خليفة اللّه في ارضه اى أريد ان اخلق في الأرض بدلا منكم ورافعكم إلى فكرهوا ذلك لأنهم كانوا أهون الملائكة عبادة * واعلم أن اللّه تعالى يحفظ العالم بالخليفة كما يحفظ الخزائن بالختم وهو القطب الذي لا يكون في كل عصر الا واحدا فالبدء كان بآدم عليه السلام والختام يكون بعيسى عليه السلام والحكمة في الاستخلاف قصور المستخلف عليه عن قبول فيضه وتلقى امره بغير واسطة لان المفيض تعالى في غاية التنزه والتقدس والمستفيض منغمس غالبا في العلائق الدنيئة كالأكل والشرب وغيرهما والعوائق الطبيعية كالأوصاف الذميمة فالاستفاضة منه انما تحصل بواسطة ذي جهتين اى ذي جهة التجرد وجهة التعلق وهو الخليفة أيا كان ولذا لم يستنبئ اللّه ملكا فان البشر لا يقدر على الاستفادة منه لكونه خلاف جنسه ألا يرى أن العظم لما عجز عن أخذ الغذاء من اللحم لما بينهما من التباعد جعل اللّه تعالى بحكمته بينهما الغضروف المناسب لهما ليأخذ من اللحم ويعطى العظم وجعل السلطان الوزير بينه وبين رعيته إذ هم أقرب إلى قبولهم منه وجعل